ssssssss
الصفحة 1 / 12

لقد كنت هناك في ذلك الزمان الذي سادت فيه الفوضى وحلت النزاعات في الجزيرة العربية، خرجت مع عائلة عبد العزيز، ذاك الشاب الذي ترك بلاده وبلاد أجداده، لكن حلم العودة ظل معه ولم يفارقه، ظل يجمع الرجال ويعد الأفكار ولم ييأس من المحاولات.

أنا أحمد، أحد رجال عبد العزيز الأشدّاء الذين خرجوا معه باتجاه الرياض حتى وصلنا لمنطقة الجافورة، فقال عبد العزيز: لتقم هُنا يا رجال

لقد كان التعب باديًا على وجهه

الصفحة 2 / 12

التفت إليه أحد رجاله وسأل بتعجّب: هُنا!! فكيف نقيم هُنا لا موارد ولا ماء، سوف نهلك! إنها أكثر الأرض قساوة وصحراء مليئة بالنقر المتتابعة، لا نكاد نخرج من نقرة إلا وقعنا بغيرها، فكيف نقيم بها!

نظرت لعبد العزيز وقلت: نحن معك إن شاء الله.. قال آخر: الله معنا وصاح الرجال جميعًا "هيا لنقم هُنا أريحوا الركب، هيّا"

الصفحة 3 / 12

لقد أقمنا بالجافورة خمسين يومًا صمنا رمضان، لقد كدنا نهلك من الجوع وقلة الماء، لكن قائدنا عبد العزيز كان يمدّنا بالصبر ويرسم لنا حلم العودة، هذا ما جعلنا نستمد قوتنا بعد الله من جديد. وجاء اليوم المنتظر..

خرجنا من الجافورة باتجاه الرياض الساعة التاسعة ليلاً، وعلى مشارف المدينة قسّمنا عبدالعزيز إلى ثلاث مجموعات واحدة تركها خارج الرياض عند الركائب والأمتعة والثانية أبقاها مع أخيه محمد وعددهم ثلاثون رجلاً وكنت أنا معهم، والثالثة ستذهب معه.

الصفحة 4 / 12

وعندما بدأنا استعدادنا للانطلاق، وقف فينا عبدالعزيز وقال: أيّها الرجال، إنّ الله كتب لنا آجالنا وأقدارنا، ونحن مؤمنون بقضائه وقدره كيفما كان، إن جاء يوم الغد ولم يصلكم منا رسول، فأسرعوا بالنجاة، واعلموا بأننا قد استشهدنا في سبيل الله

نظر الرجال إلى بعضهم ثم صاحوا جميعًا بصوت واحد: سمعًا وطاعة، دعواتنا لك بالنصر إن شاء الله.

الصفحة 5 / 12

مضى عبدالعزيز وتبعته أنا خفية، لكنه وبسبب نباهته وفطنته، أحسّ بلحاقي به، اقتربت منه ثم همست إليه بعزيمة: معك يا عبدالعزيز، للنصر أو للموت!

مضى بالسبعة رجال وسار بهم إلى الرياض حيث دخلوها عبر أجزاء مهدمة من السور، تسللوا داخل البلدة حتى تمكنوا من الدخول إلى بيت مجاور لبيت الحاكم المكلف بإدارة الرياض وكان لعائلة تعمل في السابق لدى عبد العزيز طرق الباب بخفة وفتح صاحب البيت وإذا به يصيح بفرح

الصفحة 6 / 12

يا إلهي! عمي عبدالعزيز! اخفض صوتك! أشار له عبدالعزيز بوضع يده على فمه، ثم أمره: اسمعني جيدًا، أريدك أن تفعل ما أقوله لك بدقة! دخل إلى المنزل وأغلق الباب دون إحداث جلبة، ثم مشى خلفه ومعه رجاله في دهاليز المنزل ثم وقف أمام الجدار الفاصل بينه وبين منزل الحاكم الخادم يهمس لعبدالعزيز: ربما لن تجده في المنزل يا عمي رد آخر: نعم ليس هُنا عبدالعزيز ينظر إلى الخادم: ما الذي يجعلك متأكدًا أنه لن يكون في منزله؟ رد : لأنه يخاف على نفسه منك منذ آخر مرة جئت فيها إلى هنا. آخر: إنه يتحصن في حصن المصمك وينام هناك.

الصفحة 7 / 12

دخلنا مع عبدالعزيز تجاوزنا الغرف المظلمة وفتشنا المكان ولم نجد عجلان في منزله، وكانت هناك زوجته التي صاحت عندما رأت عبدالعزيز وعرفت ما سوف يحصل لزوجها زوجة عجلان: أرجوك اتركه لا تؤذه. صاح أحد رجال عبدالعزيز: أين هو؟ أجابت: لا أعرف لا أعرف!

التفت إليها عبدالعزيز وبصوته الجهوري طمأنها: تكلمي نحن لا نؤذي النساء.. بخوف أجابت: سوف يأتي إلى هنا.. عبدالعزيز: متى؟! هي: بعد صلاة الفجر، ثم صرخت: هل ستقتله؟

الصفحة 8 / 12

هُنا استدعى عبدالعزيز أخاه محمدًا ورجاله واجتمع الأربعون رجلاً استعدادًا لمواجهة عجلان بعد الفجر.

لقد كنت أنظر إلى عيني عبدالعزيز وهو ينتظر أن يقترب الموعد ويخرج عجلان، نظرته نظرة المنتصر الواثق في الله الذي يرغب في وحدة وطنه وبناء حضارته. كان يراقب الباب من غرفة يُرى منها باب القصر الذي به (خوخة) أي باب صغير لا يتسع لخروج إلا شخص واحد.

الصفحة 9 / 12

فُتح الباب أخيرًا وأول من خرج هو عجلان وكان عبدالعزيز واقفًا أمامه مباشرة ومعه رصاصة واحدة، هذا ما تبقى معه، لم يطلق النار بل تعارك معه بالأيدي.

رفع عجلان سيفه وانقضّ لمصارعة عبدالعزيز، فوضع عبدالعزيز البشت على وجهه وصار يصارعه دون أن يراه، وهذا دليل قوته في القتال وحتى يتفادى ضرب السيف بوجهه، أطلق الرصاصة من بندقيته ثم سمع صوت وقوع السيف على الأرض، أزاح البشت عن وجهه ظنًّا منه أن عجلان قد قتل، لكنه سقط ولم يُقتل.

الصفحة 10 / 12

بدأ عجلان يزحف باتجاه الباب ليهرب خوفًا من الموت ويحاول الدخول من جديد فأمسكه عبدالعزيز من رجليه لكن عجلان رفسه في خاصرته حتى كاد يغمى عليه، ونهض عجلان ولكن رمى عليه فهد بن جلوي أحد رجال عبدالعزيز (الشلفا) وهو يقول: هاك! ولتمزق أضلعك يا عجلان..

فضربته، ثم استقرت في الباب الخشبي من قوتها. مات عجلان فكان رجاله ورجال عبدالعزيز متشابكين ما بين الرماح والسيوف والرصاص في معركة سريعة تعالت فيها الأصوات والصراخ..

الصفحة 11 / 12

فصاح أحد رجال عجلان حزينًا: مات عجلان أيها الرجال! مات عجلان!

توقف رجاله عن القتال واستسلم الجميع.. فصعدت أركض فرحًا وصرت أنادي: الملك لله ثم لعبدالعزيز! الملك لله ثم لعبدالعزيز!

الصفحة 12 / 12

هذا النداء الذي أصبح عليه كل أهالي الرياض مكبرين في عام 1319هـ والمصادف الخامس من شوال، لقد كان عهدًا جديدًا. صاح الجميع ملبين النداء مباركين للبطل عودته واسترداد أرضه ودولته.

لقد حقق هذا البطل حلمه وبنى مملكة قوية ممتدة ليومنا هذا متسعة بنواحيها، تنعم بالأمن والاستقرار، لايزال هناك شاهد آخر على ما أقوله.. ليس التاريخ فقط بل مكان (الشلفا) لايزال على باب المصمك يومنا هذا شاهدوها عند زيارة الرياض.